فخر الدين الرازي
100
تفسير الرازي
فكذا ههنا يجوز أن يضاف القول إلى الجماعة الراضين بقول ذلك الواحد . الثاني : وهو قول ابن عباس ، ومحمد بن إسحاق : أن ركبا من عبد القيس مروا بأبي سفيان ، فدسهم إلى المسلمين ليجبنوهم وضمن لهم عليه جعلا . الثالث : قال السدي : هم المنافقون ، قالوا للمسلمين حين تجهزوا للمسير إلى بعد لميعاد أبي سفيان : القوم قد أتوكم في دياركم ، فقتلوا الأكثرين منكم ، فان ذهبتم إليهم لم يبق منكم أحد . المسألة الرابعة : قوله تعالى : * ( إن الناس قد جمعوا لكم ) * المراد بالناس هو أبو سفيان وأصحابه ورؤساء عسكره ، وقوله : * ( قد جمعوا لكم ) * أي جمعوا لكم الجموع ، فحذف المفعول لأن العرب تسمي الجيش جمعا ويجمعونه جموعا ، وقوله : * ( فاخشوهم ) * أي فكونوا خائفين منهم ، ثم إنه تعالى أخبر أن المسلمين لما سمعوا هذا الكلام لم يلتفتوا إليه ولم يقيموا له وزنا ، فقال تعالى : * ( فزادهم إيماناً ) * وفيه مسائل : المسألة الأولى : الضمير في قوله : * ( فزادهم ) * إلى ماذا يعود ؟ فيه قولان : الأول : عائد إلى الذين ذكروا هذه التخويفات . والثاني : أنه عائد إلى نفس قولهم ، والتقدير : فزادهم ذلك القول إيمانا ، وإنما حسنت هذه الإضافة لأن هذه الزيادة في الايمان لما حصلت عند سماع هذا القول حسنت إضافتها إلى هذا القول وإلى هذا القائل ، ونظيره قوله تعالى : * ( فلم يزدهم دعائي إلا فرارا ) * ( نوح : 6 ) وقوله تعالى : * ( فلما جاءهم نذير ما زادهم إلا نفورا ) * ( فاطر : 42 ) المسألة الثانية : المراد بالزيادة في الايمان أنهم لما سمعوا هذا الكلام المخوف لم يلتفتوا إليه ، بل حدث في قلوبهم عزم متأكد على محاربة الكفار ، وعلى طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم في كل ما يأمر به وينهي عنه ثقل ذلك أو خف ، لأنه قد كان فيهم من به جراحات عظيمة ، وكانوا محتاجين إلى المداواة ، وحدث في قلوبهم وثوق بأن الله ينصرهم على أعدائهم ويؤيدهم في هذه المحاربة ، فهذا هو المراد من قوله تعالى : * ( فزادهم إيمانا ) * . المسألة الثالثة : الذين يقولون إن الايمان عبارة لا عن التصديق بل عن الطاعات ، وإنه يقبل الزيادة والنقصان ، احتجوا بهذه الآية ، فإنه تعالى نص على وقوع الزيادة ، والذين لا يقولون بهذا القول قالوا : الزيادة إنما وقعت في مراتب الايمان وفي شعائره ، فصح القول بوقوع الزيادة في الايمان مجازا . المسألة الرابعة : هذه الواقعة تدل دلالة ظاهرة على أن الكل بقضاء الله وقدره ، وذلك لأن المسلمين كانوا قد انهزموا من المشركين يوم أحد ، والعادة جارية بأنه إذا انهزم أحد الخصمين عن